87.2%.. إجمالي تعاملات المصريين بالبورصة في نهاية تداولات الأسبوع    موجة غارات جديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت| قصف محيط مستشفى السانت تيريز .. وهجمات غير مسبوقة بالبوارج البحرية الإسرائيلية..وإعلام عبري يؤكد أن هاشم صفي الدين هو المستهدف من هجوم الليلة    كوستا: جوميز مُعجب بأدائي..ولا أحد يستطيع رفض الانضمام للزمالك    رئيس دار الأوبرا: 114 فعالية فنية بمهرجان الموسيقى العربية و54 حفلا غنائيا    "وما النصر إِلا من عِندِ الله".. موضوع خطبة الجمعة اليوم    عدوان إسرائيلي يستهدف الطريق الدولي بين دمشق وبيروت    مفاجأة.. «القندوسي» يكشف سبب فشل صفقتا «بن رمضان» و«بلعيد» في الأهلى    تحسن طفيف في درجات الحرارة.. الأرصاد تكشف حالة الطقس اليوم    هل يجوز الدعاء للزواج بشخص معين؟ أمين الفتوى يجيب    مدير الأكاديمية العسكرية: بناء القوة والحفاظ على الهيبة يحتم بيئة تعليمية حديثة    التعليم تكشف آخر موعد للتقديم في المدارس المصرية اليابانية    ليتوانيا تصدق على اتفاق لنشر 5 آلاف جندي ألماني    «أنا قدامك خد اللي إنت عايزه».. حكاية صعيدي أراد التبرع ب«كليته» ل أحمد زكي (فيديو)    هالة صدقي تصور مسلسل إش إش مع مي عمر في رمضان 2025    توتنهام يواصل عروضه القوية.. والكعبي يتألق    بسبب فشل صفقة «بن رمضان».. القندوسي يكشف كواليس مثيرة بشأن محادثته مع مدرب الأهلي    ملف يلا كورة.. برونزية مونديالية للأهلي.. وانتهاء أزمة ملعب قمة السيدات    بايدن: أعتقد أننا سوف نتجنب اندلاع حرب شاملة    قيادي بحركة فتح: نتنياهو يُحضر لحرب دينية كبرى في المنطقة    برج الأسد حظك اليوم الجمعة 4 أكتوبر 2024: تلتقى بشخص مٌميز ومكالمة مٌهمة    مايكروسوفت تضيف مزايا ذكية ل Windows 11    مصررع طفلة رضيعة في الدقهلية.. اعرف السبب    دعاء أول فجر في ربيع الثاني.. «اللهم بارك لنا في أعمارنا»    عيار 21 يرتفع لأعلى مستوياته.. أسعار الذهب والسبائك اليوم الجمعة بالصاغة (بداية التعاملات)    صندوق النقد الدولي يكشف موعد المراجعة الرابعة لقرض مصر    بعد قليل، قطع المياه عن 10 مناطق حيوية بالقاهرة لمدة 5 ساعات    "قمة سيدات الأهلي والزمالك".. مواعيد مباريات اليوم الجمعة والقنوات الناقلة    لاتسيو يسحق نيس ويتصدر الدوري الأوروبي    المقاولون العرب يضم لاعب الزمالك السابق    سعر كيلو اللحمة.. أسعار اللحوم اليوم الجمعة 4 أكتوبر 2024 في الأسواق    قرار عاجل من "التنمية المحلية" بشأن عمال التراحيل    خبير اقتصادي يكشف تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على البورصة    رئيس هيئة المعارض يفتتح «كايرو فاشون آند تكس» بمشاركة 550 شركة مصرية وأجنبية    حريق يلتهم سيارة ملاكي أعلى كوبري المحلة بالغربية    خروج عربة ترام عن القضبان في الإسكندرية.. وشهود عيان يكشفون مفاجأة (فيديو وصور)    قتلوا صديقهم وقطعوا جثته لمساومة أهله لدفع فدية بالقاهرة    مصرع شخص نتيجة حادث مروري مروع في أكتوبر    نائب مدير الأكاديمية العسكرية: نجحنا في إعداد مقاتل بحري على أعلى مستوى    أهالي قرية السلطان حسن بالمنيا يعانون من عدم وجود صرف صحي    رسمياً.. فتح باب تسجيل تقليل الاغتراب جامعة الأزهر 2024 "الرابط الرسمي والخطوات"    نائب مدير الأكاديمية العسكرية: الخريجون ذو فكر متطور وقادرون على الدفاع عن الأمن القومي    وليد فواز عن حبسه في مسلسل «برغم القانون»: إن شاء الله أخرج الحلقة الجاية    المخرج محمد عبد العزيز: ل "الفجر "تراجعنا في مناخنا الفني وانفصلنا عن الاستعانة بالأدب.. وتفاجئت بدور أبني كريم في الحشاشين    تعرف على تفاصيل أغنية الموقف ل ساندي ودياب    مدير الكلية العسكرية التكنولوجية: الخريجون على دراية كاملة بأحدث الوسائل التكنولوجية    محافظ الدقهلية يستقبل وفد اتحاد القبائل لتنفيذ مبادرة تشجير    تعرف على نصوص صلاة القديس فرنسيس الأسيزي في ذكراه    دعاء يوم الجمعة.. تضرعوا إلى الله بالدعاء والصلاة على النبي    صحة دمياط: إجراء 284 عملية جراحية متنوعة منذ انطلاق المبادرة الرئاسية بداية    صحة دمياط: الكشف على 943 مواطنًا ضمن مبادرة «حياة كريمة»    تعزز الصحة الجنسية .. لن تتوقعها فوائد مذهلة للرجال بعد تناول البرتقال    أبرزها «الملعقة» و«الزيت».. حيل ذكية لتقطيع البصل بدون دموع    طريقة عمل الكريب، أكلة المطاعم اصنعيها بنفسك في البيت    حرب غزة في يومها ال363 | الاحتلال يزعم اغتيال 3 قادة في حماس للمرة الرابعة !!    حزب الله يعلن مقتل 17 ضابطا وجنديا إسرائيليا بمعارك الخميس    فتح المتاحف والمسارح القومية مجانا احتفالا بنصر أكتوبر    متحدثة "يونيسيف": 300 ألف طفل لبناني دون مأوى بسبب الحرب    حكم صلة الرحم إذا كانت أخلاقهم سيئة.. «الإفتاء» توضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر كتاباً أمريكياً يكشف حقيقة مفاوضات "كامب ديفيد"
نشر في المشهد يوم 01 - 11 - 2014

البعض يقول: إن أصل الصراع دينى، بينما يقول البعض الآخر: إن أصله أيديولوجى لا يمت للعقيدة الدينية بصلة، ولكنه على أى حال صراع أُزهقت من أجله الأرواح وسالت الدماء دون نهاية، إلى أن خرج هؤلاء الرجال الثلاثة، كل بدافعه الشخصى، يبحث عن طريقة لنهاية هذا الصراع بشكله الدائر وقتها، سواء كانت نهاية تامة أو نهاية مؤقتة إلى أن يحين الوقت المناسب لاستكماله.

كانت الصعوبة وقتها تتركز فى أمرين أساسيين، هما: كيف يمكن أن يجتمع اثنان يتناقضان تماماً على مائدة واحدة؟ والأهم من ذلك: كيف يمكن إجبار الطرف الإسرائيلى على قبول الاتفاق فى نهاية الأمر، مع العلم أنه جاء فى الأساس بهدف واحد هو أن يقول أمام العالم إن إسرائيل حاولت؟ كان تمسك الرئيس الراحل أنور السادات بعملية السلام وإصراره على الوصول إليها بمثابة الخيط الذى تعلق فيه الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر؛ فالرجل كان يبحث عن وسيلة يهرب بها من الانتقادات الداخلية ويحقق بها نصراً يدخل به التاريخ من أوسع أبوابه، فمن فى التاريخ يمكن أن يلقى بأوراقه كاملة ويراهن على صراع يعرف جيداً أن نسبة نجاحه فيه لا تتعدى حاجز ال1%، إلا رئيس أنهكته الانتقادات. هذا هو ما يرصده الكاتب الأمريكى الحاصل على جائزة «بوليتزر»، لورانس رايت، فى كتابه الذى صدر الشهر الماضى تحت عنوان «13 يوماً فى سبتمبر.. كارتر وبيجن والسادات فى كامب ديفيد». الكتاب الجديد يرصد وقائع ال13 يوماً التى دارت خلالها مفاوضات «كامب ديفيد» بكل تفاصيلها ووقائعها اعتماداً على أجزاء واسعة من مذكرات «كارتر» نفسه وعدد من المسئولين.

كيف يمكن لشخص أن يجمع اثنين آخرين يختلفان تمام الاختلاف على مائدة واحدة؟ هكذا كان يفكر الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر فى صيف عام 1978.. وقتها قرر الرئيس الأمريكى أن يخرج فى إجازة يبتعد بها عن الانتقادات العنيفة التى كان يواجهها خلال فترة حكمه وسط اتهامات بضعف قيادته لبلاده.. لم يكن «كارتر» وقتها يهرب فقط من الانتقادات الداخلية، وإنما يبحث عن وسيلة يجمع بها اثنين يعدان من ألد الخصوم على مائدة المفاوضات. فى إجازة «كارتر»، وتحديداً فى أغسطس 1978، تسلم الرئيس الأمريكى الأسبق ملفاً ضخماً جمعته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سى آى إيه) بناءً على طلبه.. كان الملف يتضمن تحليلاً نفسياً لشخصية اثنين من قادة الشرق الأوسط وقتها، أولهما الرئيس الراحل أنور السادات، وثانيهما رئيس وزراء إسرائيل آنذاك مناحم بيجن.. كان هذا التحليل يعتمد على إيجاد الأجوبة ل12 سؤالاً رئيسياً، أهمها: ما الذى يجعل منهما زعيمين؟ وما طموحاتهما الحقيقية ومبادئهما وعقائدهما؟

يقول «رايت»: «وقتها كان (كارتر) يدرك جيداً أن الاثنين، اللذين تفصلهما مجرد أيام معدودة على الوصول إلى الولايات المتحدة لمناقشة مسألة إبرام اتفاقية سلام بين الدولتين، لن يتوصلا على الأرجح لأى اتفاق، وهو ما دفع الرئيس الأمريكى إلى البحث عن طريقة يمكنه من خلالها التوصل للطريقة الأنسب للتعامل مع هذين الاثنين، والبحث عن طريقة تدفعهما إلى التعامل معاً بشكل يفضى فى النهاية إلى نجاح المقامرة التاريخية التى يقوم بها (كارتر)».


النقطة الفاصلة فى مسيرة «كارتر»، الساعية إلى السلام، بحسب الكتاب الأمريكى، كانت أن الرئيس الأمريكى قليل الخبرة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية؛ فقد تربى فى الأصل فى الجنوب الأمريكى الريفى، كما أنه لم يكن قد التقى أى عربى من قبلُ سوى واحد فقط جلس إلى جانبه خلال سباق سيارات، وكان اليهودى الوحيد الذى عرفه حتى تلك اللحظة هو زوج عمته.

حينما وصل «كارتر» إلى البيت الأبيض، أعلن صراحة فى اليوم الأول له أن السلام فى الشرق الأوسط سيكون مهمته الأولى، وهو ما أصاب نائبه وقتها، والتر موندال، بحالة من الصدمة؛ فالجميع كان يرى أن هذا التصرف سخيف وأحمق، بينما حذر وزير الخارجية الأمريكى وقتها، هنرى كيسنجر، الذى ظل سنوات طويلة يحاول الوصول إلى نوع من الهدوء فى الشرق الأوسط، من محاولة التورط فى مفاوضات الشرق الأوسط؛ لأن نتائجها مشكوك فيها من الأساس. «رايت» يؤكد أن مستشارى «كارتر» المقربين طالبوه وقتها بالانتظار حتى بدء ولايته الثانية حتى لا يخاطر بشعبيته لدى الأمريكيين، خاصة أنها بدأت فى التآكل بعد أشهر قليلة من وصوله إلى البيت الأبيض.

يضيف «رايت» فى كتابه: «بعدها أرسل مدير حملة (كارتر) خلال الانتخابات الرئاسية، هاميلتون جوردان، خطاباً سرياً إلى الرئيس الأمريكى، وصف فيه وضع اليهود فى الولايات المتحدة وأكد من خلاله أن (كارتر) سيحولهم إلى أعداء إذا ضغط على إسرائيل للوصول إلى اتفاقية سلام، وهو ما يعنى أن الرئيس الأمريكى سيخسر دعمهم الذى يعد كبيراً جداً حتى بالرغم من قلة عدد اليهود الأمريكيين وقتها؛ حيث شكلوا نسبة 3% من إجمالى الأمريكان. (جوردان) أكد فى خطابه أن الوضع هو حالة لا غالب ولا مغلوب، وليس هناك أسوأ من محاولة تحقيق السلام بالنسبة لأى سياسى أمريكى، نظراً لتداعيات تلك الخطوة مستقبلاً».

الكاتب الأمريكى يؤكد أن «كارتر» أُعجب بشخص «السادات» حينما زاره الأخير للمرة الأولى فى البيت الأبيض، مضيفاً: «بمقارنة الرئيس المصرى الراحل بأى زعيم عربى آخر، كان (السادات) ضوءاً براقاً يندفع نحو القرارات الجريئة»، وهو ما دفع «كارتر» على الفور -والحديث ل«رايت»- إلى الإيمان بأنه عثر أخيراً على شريكه فى عملية السلام. ويضيف: «وبعد اللقاء الأول بين الرئيسين الأمريكى والمصرى، بات (كارتر) يتحدث عن (السادات) كأنه أقرب أصدقائه، وهى صفة نادراً ما يستخدمها رؤساء الدول فى التعبير عن علاقاتهم ببعضهم البعض، وهو ما دفع مساعدى الرئيس الأمريكى وقتها إلى التأكيد أن الاثنين متشابهان إلى حد كبير».

وحسب مذكرات الرئيس الأمريكى الأسبق التى حصل عليها «رايت»، فإن «كارتر» التقى بعد ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحاق رابين، وقال عنه إنه «متشائم لا يرى احتمالات السلام، وكان الحديث إليه أشبه بالحديث إلى سمكة ميتة»، ولكن بعد الإطاحة ب«رابين» بسبب الفضيحة المالية ووصول «بيجن» إلى الحكم، عادت الآمال إلى «كارتر» بمحاولة إيجاد الشريك الثالث لعملية السلام.

يقول «رايت»: «هنا كانت تكمن المشكلة بالنسبة للرئيس الأمريكى؛ فنتائج التحليل لشخصية (السادات) و(بيجن) جاءت متناقضة تماماً؛ فقد كان (السادات) صاحب رؤية وجريئاً ومغامراً على استعداد للمرونة ما دام سيصل فى النهاية إلى هدفه الأساسى، كما أن التحليل كان يرى أن (السادات) ينظر إلى نفسه على أنه مفكر استراتيجى متوهج بأفكاره كالنجم فى السماء، وكانت الملاحظة الأهم فى تقرير الاستخبارات الأمريكية هى أن (السادات) كان يميل إلى الدعاية بشكل جعل التقرير يصفه بأنه يعانى من (متلازمة باربرا والترز) تيمناً باسم المذيعة الأمريكية الشهيرة». ويتابع: «أما (بيجن) فقد كان ينتهج أيديولوجية تؤيد الاحتلال وتسعى إلى زيادة مساحة إسرائيل بكل ما هو ممكن، وكان ينظر إليه الإسرائيليون على أنه فاشى ومهووس ومجرد ذكرى محرجة للخلفية الإرهابية التى قامت بفضلها الدولة، وأكد التقرير الاستخباراتى أنه ليس على (كارتر) أن يتوقع منه أى تحرك حقيقى». «رايت» يؤكد أنه بعد أن التقى الرئيس الأمريكى الأسبق رئيس الوزراء الإسرائيلى للمرة الأولى فى خريف 1977، صدم «كارتر» من العجرفة التى أبداها «بيجن» على الرغم من محاولة الأول البحث عن أرضية يمكنه بناء علاقة مشتركة من خلالها مع الأخير. وخلص «كارتر» إلى أن «بيجن» لن يفعل أى شىء أبداً.

التقرير الذى أُعد خصيصاً ل«كارتر»، أكد أنه لا شك من وقوع صدامات وسوء تفاهم بين الاثنين إذا جلسا على مائدة واحدة، وشكك المحللون وقتها فى إمكانية نجاح عملية جمع شخصيتين تتناقضان بهذا الشكل فى غرفة واحدة للتفاوض بينهما، حيث لم يكن يجمع بينهما شىء سوى أن كليهما عانى لفترة طويلة فى السجون وكانا يتشبعان بنظرية المؤامرة ويؤمنان بها تمام الإيمان.

بحسب الكتاب الأمريكى ومذكرات الرئيس الأسبق، فإن «كارتر» كان يعتقد أنه يفهم «السادات» جيداً كون الاثنين من أصل واحد تقريباً، فالاثنان من أصول زراعية، كما أنهما تشبعا بشكل كبير بعقائدهما الدينية، ففى الوقت الذى درس فيه الرئيس المصرى الراحل الشريعة الإسلامية، تعمق الرئيس الأمريكى الأسبق فى دراسة التوراة والإنجيل. ويضيف: «وكان هناك عامل مشترك آخر بالنسبة للاثنين، وهو أن السادات التحق بالجيش المصرى سعياً إلى الهرب من الحياة فى الخارج، وهو نفس ما فعله (كارتر) حيث التحق بالجيش الأمريكى من خلال عمه الذى كان يخدم فى سلاح البحرية الأمريكى».

«رايت» يؤكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لم تلحظ «السادات» بشكل كبير خلال بدايات عمله السياسى، حيث كان يتوارى فى ظل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وحتى حين توفى الأخير نظر العالم إلى «السادات» على أنه مجرد شخص يشغل المنصب حتى يأتى رئيس جديد. ويضيف: «لكن السادات نجح أن يثبت أنه أستاذ غير متوقع، فقد أدهش المصريين أنفسهم بالقضاء أولاً على حاشية عبدالناصر الفاسدة التى سيطرت على المناصب الحكومية، وأدهش العالم حينما طرد الجنود السوفييت والمستشارين العسكريين من مصر عام 1972، وهو ما دفع الإسرائيليين إلى التأكيد أنه بدون السوفييت لن تخوض مصر حرباً أبداً، ولكن بعد أقل من عام فقط أعلن السادات الحرب وفاجأ إسرائيل بشكل جعل القوى العالمية تقترب من حافة اندلاع حرب نووية، وتحول بعدها السادات إلى هوس بالنسبة للمفكرين والباحثين وصناع القرار وأجهزة الاستخبارات الأمريكية لدراسة شخصيته».

ويقول رايت، فى كتابه، إن «الرئيس الراحل أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن، والرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر، كانوا يرون فى أنفسهم نماذج روحانية نبوية حية، حيث كان السادات يرى نفسه منقذاً أرسله الله لنصرة شعب مظلوم، بينما رأى بيجن أن قدره هو الحفاظ على أرض الميعاد التى تركها الله لليهود، فيما رأى كارتر فى نفسه مبعوثاً من قبل السماء لإحلال السلام فى الشرق الأوسط».


يوم 5 سبتمبر من عام 1978، كان هو اليوم المنتظر بالنسبة إلى الرئيس الأمريكى الذى ظل يجهز الأجواء المناسبة لاستقبال «السادات» و«بيجن»، وبالفعل يومها وصل الرئيس المصرى الراحل إلى «كامب ديفيد» ولكن الرئيس الأمريكى فوجئ بعدم وجود قرينته جيهان السادات بصحبته، حيث كان «كارتر» يحاول أن يعتمد على الزوجتين لبناء جسور اجتماعية بينهما، تجعل «السادات» أكثر قابلية للمرونة فى المفاوضات. بعدها، وبحسب «رايت»، التقى الرئيسان المصرى والأمريكى بشكل خاص صباح اليوم الأول، وأكد «السادات» أنه على أتم الاستعداد لإبرام اتفاق سلام حاسم وكامل، وقال له إن لديه بالفعل خطة للسلام فى جيبه كان ينوى تقديمها له خلال المفاوضات، وكانت تلك الخطة تتضمن حل الأزمة الفلسطينية وانسحاب إسرائيل بالكامل من سيناء وإعادتها إلى مصر. يقول «رايت» إن الهدف الأساسى ل«السادات» وقتها كان ألا يعقد اتفاق سلام منفصل مع إسرائيل، حتى لا تفقد مصر دورها فى العالم العربى كقائدة له.

«السادات» قال -بحسب ما نقله «رايت» عن مذكرات «كارتر»- إنه «على إسرائيل أن تنسحب من الأراضى المحتلة.. بعد ذلك يا صديقى، افعل ما شئت وسأوافق عليه»، وهو ما أصاب الرئيس الأمريكى بحالة من الصدمة كون أن «السادات» يمنحه تفويضاً شاملاً بالتفاوض باسمه، ولكن الرئيس المصرى رد عليه بأن المصريين قادرون على فعل أى شىء ما داموا سيستعيدون أرضهم. وبعدها بساعتين وصل «بيجن» إلى المكان نفسه، وحصل على مراسم الاستقبال نفسها التى استقبل بها «السادات».

بعد الظهر، بدأ وفدا مصر وإسرائيل فى التجول داخل المنتجع، ولكنهما كانا يتجنبان بعضهما البعض تماماً. وفى المساء، تناول السادات وبيجن عشاءهما كل منفرداً فى غرفته، إلا أن الوفدين تناولا الطعام فى غرفة الضيوف الكبيرة فى المنتجع، وكان اللافت أن حسن التهامى الذى كان من بين أبرز الحضور فى الوفد المصرى، أسر أنظار الحضور بقصصه عن روحانيته وقدرته على فعل أمور عجيبة، إلا أن أكثر ما لفت نظر طبيب القلب الخاص ب«بيجن»، كان حديث «التهامى» عن قدرته على ابتكار طريقة يوقف بها قلبه عن الخفقان لفترة معينة، وهو ما دفع الطبيب الإسرائيلى إلى التساؤل عن كيفية فعل هذا الأمر وما إذا كان «التهامى» يفعل هذا من خلال اليوجا أم لا، وهو ما أثار الأخير ودفعه إلى التأكيد أن الأمر ليس له أى علاقة ب«اليوجا»، ولكنه رفض فى الوقت ذاته أن يكشف عن سره للطبيب.

كان «بيجن» وقتها، بحسب «رايت»، يرى أنه الأقل تضرراً من المفاوضات فهو فى إمكانه المغادرة فى أى لحظة وسيكون هو الأقل خسارة من الناحية السياسية، ولكنه أدرك فجأة أن هناك أمراً أهم بالنسبة إلى الرئيس المصرى من السلام، وهو علاقة جيدة مع الولايات المتحدة تعكس صداقته مع «كارتر»، وهو ما يعنى تغيير الحليف الأول للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط من إسرائيل إلى مصر، وتتحول بعدها علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة إلى انعكاس للعلاقة المتوترة بين «بيجن» و«كارتر». لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلى على استعداد للتضحية بالامتيازات التى تحصل عليها بلاده من الولايات المتحدة، خاصة مع مليارات الدولارات التى تحصل عليها كمساعدات عسكرية. عناد «بيجن»، بحسب الكاتب الأمريكى، كان سيعنى أن الولايات المتحدة تنظر إليه على أنه العقبة الرئيسية لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط، وهو ما يعنى تباعاً خسارة موقفه السياسى فى بلاده وأن تصبح إسرائيل بلا أصدقاء. كل تلك الأمور دفعت «بيجن» إلى التفكير فى احتمالات أن «كارتر» و«السادات» يتآمران عليه، خاصة أن الأمريكان كانوا يعتمدون على القدرات المسرحية الهائلة التى تمتع بها السادات فى أدائه، بهدف الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلى.

«رايت» يؤكد أن الأمريكان كانوا يهدفون وقتها إلى ممارسة ضغوط كبيرة على «بيجن» لإسقاط حكومته فى إسرائيل وانتخاب حكومة جديدة يمكنها التفاوض، فى حالة وصول الأمور إلى طريق مسدود، ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلى كان يمتلك ورقة ضغط أخرى، وهى الخطاب الذى أرسله الرئيس الأمريكى الأسبق جيرالد فورد إلى إسرائيل عام 1975، يطالبها بالتوصل إلى اتفاق تنسحب بموجبه من جزء من سيناء، وألا تحاول الولايات المتحدة إبرام أى اتفاقيات دون الرجوع إلى إسرائيل أولاً.

فى الاجتماع الأول بين القادة الثلاثة، أكد «كارتر» أن الفرصة التى يمتلكها «السادات» و«بيجن» لتحقيق السلام لن تسنح أبداً لمن يخلفهما فى السلطة، وبدأ الرئيس الأمريكى شرح الخطة التى قدمتها إسرائيل وتقضى بالحكم الذاتى للفلسطينيين والاعتراف بسيادة مصر على سيناء بأكملها، ولكن «بيجن» قاطعه وقتها، وقال: «بالنسبة إلى سيناء، فإن السيادة أمر مختلف، ولكن المستوطنات الإسرائيلية ستظل كما هى»، وهو ما دفع «كارتر» إلى الرد: «السادات لن يوافق أبداً على هذا الأمر».

الخبرة القانونية والدينية التى تمتع بها «بيجن»، مكنته من المماطلة والعناد فى مقابل مطالب الرئيس الأمريكى، فعلى سبيل المثال، كان «كارتر» يسمى الضفة الغربية باسمها العربى، بينما يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلى هذا الأمر ويؤكد أن اسمها «يهودا والسامرة» كما هو وارد فى العهد القديم، ولأنه يدرك جيداً الاطلاع الواسع ل«كارتر» على الكتاب المقدس، فقد استغل تلك النقطة لصالحه بالتأكيد أن «كارتر» ليس من يستخف بما ورد فى النص الدينى للعهد القديم.

بحسب الكتاب الأمريكى، فإن «كارتر» وقتها رد على عناد «بيجن» بتحذيره بالتأكيد أن «السادات متهور.. وإذا لم يحدث أى تقدم فى المفاوضات، فإنه قادر على إعادة إطلاق العمل العسكرى مرة أخرى»، بعدها قرر الرئيس الأمريكى إنهاء الجدل الدائر مع «بيجن» بسبب عدم جدواه، وعاد إلى غرفته وأخبر زوجته بكل ما حدث، وأكد أنه لا يعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلى لديه أى نية للتوصل لاتفاقية سلام.

لم يتضمن كتاب «رايت» ما ورد فى المطلق فقط أمام الآخرين الذين دونوا شهاداتهم على ما حدث هناك، فأجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تراقب المكان جيداً وتتنصت على كل كلمة يمكن أن تقال فى غرف الوفود سعياً إلى معرفة ما يدور فى أذهانهم، وهو ما يتضح جيداً فيما نقله الكتاب الأمريكى عن مذكرات «كارتر»، بأن «بيجن» عاد بعد هذا الصدام إلى غرفته وجمع مستشاريه، وقال لهم: «أمامكم صخرة عنيدة لتكسرونها.. اسمها أنور السادات».

شق فجر اليوم الثانى ليمثل نقطة انطلاق «السادات»، وفى العاشرة صباحاً من هذا اليوم، وقف الرئيس المصرى الراحل أمام نظيره الأمريكى بكل فخر يعلن أن خطته الأولية لعملية السلام جاهزة، وقدّم له مسوّدة خطة السلام، حسب المقترح المصرى. وحسب «رايت»، فإن المسوّدة المصرية التى جاءت تحت عنوان «إطار اتفاق سلام شامل لتسوية مشكلة الشرق الأوسط»، أصابت «كارتر» بصدمة. يقول «رايت»، فى كتابه، إن المسودة أصابت الرئيس الأمريكى الأسبق بحالة من الذهول بسبب كونها شاملة بالفعل، فقد كانت الصفحة تلو الأخرى تحتوى بنوداً حاسمة كانت تهدف إلى نسف أى محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام، فعلى سبيل المثال، أصر «السادات» على أن تتضمّن أى اتفاقية للسلام توقيع إسرائيل اتفاق عام 1968 لنزع السلاح النووى، والتى وافقت عليها مصر، بينما لم توقعها إسرائيل. مسودة «السادات» تضمنت أيضاً أن يتم تفكيك كل المستوطنات فى الأراضى المحتلة، إضافة إلى الانسحاب الكامل من سيناء ودفع إسرائيل تعويضات مقابل البترول الذى حصلت عليه خلال فترة الاحتلال، إضافة إلى دفع تعويضات عن الأضرار التى نتجت عن الحرب للمؤسسات المدنية، والسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين وحصولهم على تعويضات، ووضع جدول زمنى لإعلان دولة فلسطينية فى الضفة الغربية فى غضون خمس سنوات فقط، وتسليم إسرائيل السيادة على القدس الشرقية إلى العرب. الكاتب الأمريكى الحائز على «بوليتزر» يصف مسودة «السادات» بأنها كانت «خيالية»، مؤكداً أنه لم يكن هناك أى بند فيها يمكن لإسرائيل أن توافق عليه.

حسب ما نقله «رايت» عن مذكرات الرئيس الأمريكى الأسبق، فإن «(السادات) أكد ل(كارتر) أنه كان ينوى قراءة تلك المسودة بصوت عالٍ خلال اجتماع الظهيرة فى اليوم الثانى. ولأن الرئيس الأمريكى تخيّل رد فعل رئيس الوزراء الإسرائيلى، فقد حذر (السادات) من أن هذا الأمر سيكون خطأً فادحاً، ولكن كان واضحاً أن (السادات) يرغب فى الحصول على موقف قوى لاسترضاء الدول العربية وقادة العرب، وحتى يكون الوضع أسهل بالنسبة إليه فى المفاوضات على المدى الطويل». ويضيف «رايت»: «فجأة قدم (السادات) عرضاً مفاجئاً، وقال: (يجب أن يبقى هذا الجزء من النقاش فى إطار السرية الكاملة)، حيث قدم الرئيس المصرى الراحل 3 ورقات مكتوبة بخط اليد إلى الرئيس الأمريكى، وهى تتضمن عدة بنود يمكن ل(كارتر) التفاوض عليها كما يرغب، وكانت تلك البنود تتضمن موافقة (السادات) على علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل وتبادل السفراء وحرية الحركة عبر الحدود، وخدمات البريد والتجارة الحرة، وعلاقات ودية. وبمعنى آخر، كان (السادات) يقدّم إلى (كارتر) ما تخيله بالفعل عن عملية السلام».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.